تعلم واقرأ وارتقِ
[img]من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن" Uoou910[/img]

تعلم واقرأ وارتقِ


 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
غفرانك ربنا واليك المصير
رب زدني علما
سجل بالمنتدى ليظهر لك باقى المواضيع المهمه
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم
علم اولادك برياض الأطفال والصفوف الأولى من التعليم الابتدائى
مجدى يونس ببورسعيد
أهلا بك من جديد يا زائر آخر زيارة لك كانت في
آخر عضو مسجل Rahmani فمرحبا به

عزيزى زائر المنتدى مرحبا بك نرجو التسجيل حتى تشاهد باقى الصفحات المختفية بها المواضيع المهمة

شاطر
 

 من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن"

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مجدى يونس
Admin
مجدى يونس

عدد المساهمات : 1258
تاريخ التسجيل : 17/05/2012
الموقع : محافظة بورسعيد

من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن" Empty
مُساهمةموضوع: من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن"   من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن" Icon_minitimeالإثنين يناير 14, 2013 4:51 pm


من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن"


﴿ ﭐلفاتحة:
(1) بِسْمِ ﭐللَّهِ، ﭐلرَّحْمَنِ، ﭐلرَّحِيمِ.
(2) ﭐلْحَمْدُ لِلَّهِ، رَبِّ ﭐلْعَالَمِينَ ؛
(3) ﭐلرَّحْمَنِ، ﭐلرَّحِيمِ،
(4) مَلِكِـ يَوْمِ ﭐلدِّينِ ؛
(5) إيَّاكَـ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَـ نَسْتَعِينُ ؛
(6) ﭐهْدِنَا ﭐلصِّرَاطَ ﭐلْمُسْتَقِيمَ،
(7) صِرَاطَ ﭐلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ ﭐلمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ﭐلضَّالِّينَ.﴾ ؛
1- مقدمة
الذين يُؤمنون باللّـه، ربّ العالَمين، يُؤمنون بأنّه «ليس كمِثْلِه شيءٌ» في ذاته وصفاته وأفعاله. ولأنّ "القُرآن" لديهم كلامُ ٱللّـه المُنزَّل على نبيِّه محمد (صلّى اللّـهُ عليه وسلّم)، فإنّهم يُؤمنون بإعجازه الذي يَجدونه بالتدبُّر في كل آيةٍ من آياته فيَزدادون إيمانا وٱطمئنانا. وأمّا الذين يُنْكرون «وُجود ٱللّـه» تعاقُلًا أو تعالُمًا، فشأنُهم أن يُكذِّبوا "القُرآنَ" نفسَه ويستخفُّوا به وبكل مُؤْمن من حيث هو كذلكـ (لظنِّهم السخيف بأنّ ٱعتبار "ٱللُّغة" نتاجًا بشريّا محضا يَترتّب عليه أنّ كل ما يُلابِسُها لا يُمكن أن يكون مُتعاليًا حتّى لو كان ٱللّـهُ - سبحانه وتعالى-، وهو بارئُ كل شيء ومُنْطِقُ كل ناطق إنعامًا وٱبتلاءً!).
وبِما أنّ مُكذِّبي "القُرآن" لا يَستطيعون أن يأتُوا بآيةٍ من آياته، فإنّكـ تَراهُم يَطلُبون بأيِّ ثمن ما يُدارُون به عجزَهم الثّابت ويُغطِّي على جهلهم المفضوح! وزيادةً في بيان مدى عجزهم عن الاستجابة للتّحدِّي، سيُنظَر هُنا في فاتحةِ "القُرآن" بصفتها «أُمَّ الكتاب» التي ٱشتملت على بيِّناتٍ من الهُدى وآياتٍ من «الذِّكْر الحكيم». وكل من لم يَتبيّن شيئا من ذلكـ، فإنّما هو أحدُ ٱثنين: إمّا جاهلٌ بأُصول البيان في «اللِّسان العربيّ» وإمّا جاحدٌ لن يُصدِّق إلّا أن يَأتيَه العذاب. و«إنّكَـ لا تَهْدِي من أحببتَ، ولكنّ ٱللّـهَ يَهْدِي من يشاء!» [القَصص: 56].
2- "ٱللّـهُ" وبـﭑسمه فقط!
الرّاجح أنّ عبارةَ «بِسْم ٱللّـه ٱلرَّحْمن ٱلرَّحيم» آيةٌ من "الفاتحة"، بخلاف باقي السُّور التي يُستحَبّ بَدأُ التّلاوة بها بعد الِاستعاذة باللّـه من الشَّيْطان الرّجيم. وعبارةُ «بِسْم ٱللّـه ٱلرَّحْمن ٱلرَّحيم» هي التي ٱختُزلتْ في ٱسم "البَسْمَلة". و"الآيةُ" عُموما ليستْ مجرد "عَلامة"، وإنّما هي «علامةٌ بَيِّنةٌ» تُخاطب جِماعَ كينونةِ الإنسان بما هو رُوحٌ تَسمع وتُبصر وتُحس لعلّها تتفكّر فتَذَّكّر وتعتبر. فـ"ٱلآيةُ" قَبَسٌ حَيٌّ من «المَثَل الأعلى» الذي هو نُور السّماوات والأرض.
1.2- المألوف أن تُكتَبَ "بِسْمِ" بالتّسهيل بدلا من "بِـﭑسْمِ" (حيث إنّ "بِـ" دالّةٌ، بالأساس، على معنى "الإلصاق" ٱستعانةً أو توسُّلًا و"ٱسْم" عَلَمٌ مِمّا "يَسِمُ" أو "يَسْمُو"). والحقُّ أنّ كتابةَ "بِـٱسْمِ" معياريًّا تفرض نفسَها حاليًّا على الأقل لتيسير التّعلُّم والتّعليم ؛
2.2- "ٱللّـه" عَلَمٌ على «الذّات التي لها كل صفات الكمال» فـ"تُؤْلَهُ" (بمعنى "تُعْبَد") أو "تُولِهُ" (بمعنى "تُحيِّر"). و"ٱللّـه" ٱسمٌ مُفرَدٌ لا يُثنّى ولَا يُجمَع، بخلاف ٱسم "إلَاه" الذي يُثنّى على "إِلَاهَانِ" ويُجمَع على "آلِهَةٌ" ("أَأْلِهَةُ" مثل "آنِيَةٌ" من "إناء" أو "أَعْمِدة" من "عِماد" أو "أنظمة" من "نِظام" أو "أَوْعيَة" من "وِعاء") ؛
3.2- قول «بِـٱسْمِ ٱللّـه» مُتعلِّقٌ بمُضمَرٍ أو مَحْذُوفٍ يُمكنُ تقديرُه على سبعةِ أوجُهٍ: «[اِبْدَأْ] بِـٱسْمِ ٱللّـهِ»، «[أَبْدَأُ] بِـٱسْمِ ٱللّـهِ»، «بِـٱسْمِ ٱللَّـهِ [أَبْدَأُ أو أَقْرَأُ]»، «[ٱلِابتداءُ] بِـٱسْمِ ٱللّـهِ»، «بِـٱسْمِ ٱللّـه [ٱلِابتداءُ]»، «[اِبتدائِي] بِـٱسْمِ ٱللّـه»، «بِـٱسْمِ ٱللّـهِ [ٱبْتدائِي]». وقد يُرى أنّ تقديمَ "المُضمَر" أَوْلى من تأخيره، لكنّ التّأخير هو الأجدر لأنّه لو كان الأوّل، لوَجب إظهارُه مُقدَّمًا. وبِما أنّ "بِـ" تعلَّقتْ بمُضمَرٍ تُرِكـ للسّامع أو المُتلقِّي تقديرُه، فإنّ من قَدَّره مُقدَّمًا يكون قد ٱنتقل من إدراكِـ فِعْلِه إلى إدراكـ وُجوب ٱلِاستعانة باللَّـه تعالى ؛ في حين أنّ من قَدَّره مُؤخَّرًا يكون قد ٱنتقل من رُؤية وُجوب ٱلِاستعانة باللّـه على كل فعل يَأْتيه أو حالٍ يُلِمّ به. كما أنّه قد يُختلَف في هل "الفعل" أمْ "ٱلِاسم" أوْلَى بأن يكون "المُضمَر". ويبدو أنّ تأخير "الفعل" أوْلى كما يَدُلّ عليه وُرُوده في الآية الخامسة من "الفاتحة" نفسها («إيّاكَـ نَعبُد، وإيّاكَـ نَستعينُ.»)، فضلا عن أنّ إيرادَه قبل "البَسملة" يَجعلُه منسوبًا إلى ذاتِ القائل كأنّها هي الفاعلة من تلقاء نفسها، وهو ما يَتنافى مع إيراد "البَسملة" أوّلًا. ولعلّ الأقرب إلى الصواب أن يُقال إنّ "المُضمَر" إنّما هو فعلُ أمرِ "اِبْدَأْ" الذي يُعلِّم ٱللّـهُ به عبادَه أنّ ذِكْرَ أو ٱستحضارَ ٱسمه تعالى أَوْلَى من غيره. والشّاهد على ذلكـ في بداية سُورة "العَلَق": «ٱقْرَأْ بِـﭑسْمِ ربِّكَـ الذي خَلق!» [العَلق: 01]. وبِما أنّ المُرادَ يتمثل في الدّلالة على البدء «بِـٱسْمِ ٱللّـه»، فقد وَجبَ إضمارُ فعل الأمر قبلها ؛
4.2- بادئُ الرأي يَظهر له أنّ «بِـٱسْمِ ٱللّـه» فيها فقط معنَى ما يجب أن يُبدَأ به كُلُّ فعل. وإلّا، فإنّ عبارةَ «أبدأُ مُستعينًا بِـٱسْمِ ٱللّـهِ» ليستْ سوى تَجَلٍّ لِعبارةٍ وُسطى «بِـٱسْمِ ٱللّـه يُعلَّلُ كلُّ شيءٍ»، وهي عبارةٌ تَقبَل أن تُردّ إلى أُخرى أصليّةٍ مُفادُها «لا شيء يكون إلّا بِـٱسْمِ ٱللّـهِ» و، من ثَمّ، «اِبْدَأْ دائما بِـٱسْمِ ٱللّـه!». ولأنّ "بِـ" تُفيد مَعانيَ مُتعدِّدةً (الِاستعانة، الإلصاق/المُصاحَبة، السَّبَبيَّة، التَّعْدِيَة)، فإنّ نَقْل تركيب «بِـٱسْمِ ٱللّـهِ» (لفظان فقط!) بكل حُمُولته الدّلاليّة إلى أيِّ لسان آخر يبدو مِحْنةً حقيقيّةً: إنّه بَلاءٌ شديدٌ لمن يُقْدِم على النّقل، وٱمتحانٌ جادٌّ للقُدُراتِ التّبْليغيّة والتّدْليليّة في لسانه الخاص!
5.2- "ٱلرَّحمن" تُكتَب تسهيلا بدون «ألف المدّ» ("ـا")، وإنْ كانتْ كتابتُها به تُظهر أنّها «صفةُ مُبالَغةٍ» على وزن "فَعْلَانٌ" ("عَطْشان"، "جَوْعان"، "حَيْران"). و"ٱلرَّحْمان" هو «الذي وَسِعتْ رحمتُه كل شيءٍ فكان أرحم الرّاحمين.» أو هو «المُتفضِّل على الخلائق بجلائل النِّعَم وعَظائمها». وٱسم "الرَّحْمان" مُفرَدًا خاصٌّ باللّـه تعالى بصفته الذي يَشملُ برحمته وفضله كل المخلوقات دُنيًا وآخرةً ؛
6.2- "ٱلرَّحيم" صفةُ مُبالَغةٍ تَدُلّ على «الشّديد الرَّحْمة الذي يُؤْثِرُ برحمته الخاصة عبادَه المُؤْمنين والصالحين في الآخرة بالأخص» أو «المُتفضِّل على بعض خَلْقه بدقيق النِّعم ولطيف الأفضال» ؛
7.2- "ٱلرَّحْمان" و"ٱلرَّحيم" غير صفة "الرّاحم" لأنّهما صفتا مُبالَغةٍ. وكُلُّها صفاتٌ من "الرَّحْمة" التي هي غير "الرّأْفة" أو "العَطْف" أو "الرِّقّة" أو "الحُنُوّ" أو "الشَّفَقة". ذلكـ بأنّ "الرَّحْمة" تختصّ بالدّلالة على «الإنعام في قُرْبه وسَعته» و«الإحسان في تعالِيه وتجرُّده» ؛
8.2- وُرُودُ "الرَّحْمان" قبل "الرَّحيم" يُؤكِّد أنّ "ٱللّـه" قد سبقت رحمتُه عذابَه وأنّ نِقمتَه لا تَحِقُّ إلّا على من كَفَر نعمتَه أو لمن أراد أن يُضاعف مَثُوبتَه ٱبتلاءً. ووُرُودُهما مُقترنَيْن مُباشَرَةً - بدون عطف- بعد ٱسم "ٱللّـه" يُؤكِّد أنّه تعالى يَتعرَّف لعباده بالرّحمة ٱبتداءً، وأنّ رحمتَه تدلُّ على أنّه - سُبحانه- له المَثَل الأعلى في الخير
9.2- تَلقِّي عبارة «بِـٱسْم ٱللّـه، ٱلرَّحْمان، ٱلرحيم» يجعل المرءَ يَتفكّر فيَتذكّر أنّ الناس لا يَبدأون كلامهم، وسائر أفعالهم، بذكر ذواتهم أو ٱستحضار آثارها إلّا غَفْلةً أو سهوًا. ذلكـ بأنّ كونَ "الفعل" لا يَأتي أصلا إلّا من «ذاتٍ قادرة ومُريدة وحُرّة» يُعَدّ أمرًا يَقُود إلى مُواجهةِ مُشكلةِ "البَدْء" و"المبدَأ": فبأيِّ شيء يجب أن يَبْدأ المرءُ أيّ فعل من أفعاله؟ هل يَبدأُه بذكر ضمير المُتكلِّم "أنا"؟ وهل حقًّا بـ"أناه" يَأتي الفعلَ؟ هل هو الذي يُنْطقُ نفسَه مُحرِّكا لسانَه وسائر أعضاءِ الإصاتة فيه؟ وهل "النُّطْقُ" يَدُلّ على الحضور الكامل لذاته كـ"أنا"؟ وهل هو الذي يُحرِّكـ أيَّ جارحةٍ من جوارحه حين يَهُمّ أن "يفعل" شيئا أمْ أنّه قد سُخِّر له أن يَأتي "الفعل" كأنّه يَصدُر فيه عن ذاته؟ هل الإنسان هو الذي "يَخلُق" أفعالَه كأنّه "يُبْدعُها" من عدمٍ أمْ أنّه يَأتيها "كَسْبًا" بعد أن جُعل بإمكانه ذلكـ "عَطاءً" و"إنعامًا" من لدن خالقه «"الرَّحْمان"، "الرَّحيم"»؟ إنّ "البَسملة" تأتي حلًّا لهذا الإشكال الذي لا يَنفصل فيه الجانب «ٱلخَلْقيّ/ٱلوُجُوديّ» عن الجانب «ٱلخُلُقيّ/ٱلوِجْدانيّ».
فلا ٱسمَ يَصحّ أن يُبدَأ به إلّا ٱسمُ "ٱللّـه" بصفته «"ٱلرَّحمان"، "ٱلرَّحيم"». وإتيانُ "ٱلبَسملة" في أوّلِ آيةٍ من "ٱلفاتحة" يُعَدُّ بِحَقٍّ "فَتْحًا" حِكْميًّا في جدار «ٱلعَدَميّة المُتألِّهة أنانيّةً»، بحيث لا يَعود "الأنا" مُمْكنًا في بَشريّته إلّا كبصيص من نُور "الحقّ" في قُرْب إنعامه ودَوَام إفضاله. وإلّا، فإنّه لَا "أنا" إلّا هو، وبرحمته يكون كل ما يكون. ففقط "بِـٱسْمِه" - سُبحانه وتعالى- يكون "البدءُ"، وليس أبدًا بأيِّ ٱسمٍ غيره كما يَتوهَّمُ الغافلون! وإنّ إحراجاتِ "الذاتيّة" منذ "سُقراط" وٱنتهاءً بكل من "فتغنشتاين" و"هيدغر" و"لِفيناس" و"دريدا" و"ريكُور" لتُشيرُ إلى الأهميّة الكُبْرى لـ"الفَتْح" في البَسملة الذي بدونه يبقى عملُ ٱبن آدم أبْتَر أو أقْطعَ. ولكنّ "الجاحدين" لا يكادون يَعلمون!
3- "الحَمْد" منه وإليه
حينما يَتلقّى المرءُ عبارةَ «ٱلحَمْدُ للّـه» بعد «بِـٱسْم ٱللّـه، ٱلرَّحْمان، ٱلرحيم» لن يكون بِوُسعه أن يَتساءل لماذا يجب أن يكون «ٱلحَمْدُ للّـه» وليس لغيره، لأنّ "ٱللّـه" هو «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"». ولكنْ قد يُتوقَّع منه أن يَتساءل: لماذا «ٱلحمدُ للّـهِ» وليس «للّـهِ ٱلحمدُ» أو «حَمْدًا للّـه» أو «أَحمَدُ ٱللّـهَ»؟ ولماذا "ٱلحَمْد" وليس "ٱلشُّكْر" أو "ٱلثَّناء" أو "ٱلمدح"؟
1.3- "ٱلثَّناء" هو «الوصف مَدْحًا أو ذَمًّا» ؛ و"الحمد" هو «الثّناء بخير على ذِي الفضل أو الفضيلة» ؛ و"المدح" هو «إظهار صفات الحُسن والخير، ولو كذبا» ؛ و"الشُّكر" هو «ذِكْر النِّعمة ثناءً». فـ"الثّناء" يكون في الخير والشر وفي الحُسن والقُبح، في حين أنّ "المدح" قد يكون كذبا في الوصف بالحُسن والخير، كما يُقال فيما يكون من الإنسان باختياره، وأيضا مِمّا يُقال منه (وفيه) بالتّسخير. أمّا "الحمدُ"، فلا يكون إلّا في "التّسخير". وهكذا، فكل شُكْرٍ حَمْدٌ، وليس كل حَمْدٍ شُكْرًا، وكل حَمْدٍ مدحٌ، وليس كل مدحٍ حَمدًا. ولأنّ "اللّـه" هو «الخيِّر، واسع الفضل، المُنْعِم»، فلا يَكفي أن يُمدَح أو يُثْنَى عليه أو يُشْكَر، بل الواجب أن يُحمَد حَمْدًا كثيرا ودائما. فهل ٱختيارُ لفظ "الحمد" للدّلالة على «أفضل الشُّكْر والثّناء» مُجرَّد ٱتِّفاق أمْ أنّه غايةٌ في الإحكام والتّوفيق؟!
2.3- نعم، إنّ العارف بأسرار «اللِّسان العربيّ» يُدرِكـ الفرق بين "الثّناء" و"المدح" و"الشُّكْر" و"الحمد". لكنْ، حتّى لو ٱختار لفظَ "الحمد" في مُناسَبته لجَمال الذّات الإلاهيّة وجلالها، فهل سيُوفَّق في جَعْله بصيغة «ٱلحمدُ للّـهِ»؟
3.3- وُرُود «ٱلحمد للّـهِ» بدلا من «لِلّـه الحمدُ» أو «أحمَدُ ٱللّـهَ» أو «حَمْدًا للّـهِ» يَدُلّ على أنّها ليست من كلام البشر: فتقديمُ "الحمد" (كٱسمِ جنس) وتأخير "للّـهِ" تركيبٌ لا يُفيد فقط أنّ «الحمدَ كُلّه إنّما يكون للّـه وحده»، وإنّما يُفيد أيضا أنّ "ٱلحمد" لا يكون إلّا إنعامًا وتوفيقا من ٱللّـه سبحانه ؛ في حين أنّ «للّـهِ ٱلحمدُ» تركيبٌ يُفيد أنّ "ٱلحمد" مقصورٌ على ٱللّـه بصفته الذي يُحمَدُ في السّرّاء والضّرّاء على سَواءٍ. وأمّا تركيبُ «حمدًا للّـه»، فيُضمِرُ مفعولُه المُطلق الإشارة إلى فعل "نَحْمَدُ". و«أحمدُ ٱللّـهَ» لا يَأتي إلّا مَشُوبًا بنِسبةِ الفعل إلى نفس من هُو في حاجةٍ إلى توفيق "ٱللّـه" لكي يأتي بفعل "ٱلحمد" عينه!
4.3- قُرِأ «ٱلحمدُ للّـهِ» (وهي القراءة الأشهر والأظهر لدلالتها على ثُبُوت "الحمد" للّـه وحده) و«ٱلحمدَ للّـهِ» (بإضمار «فِعْل مُقدَّم» جَرْيًا على عادة العرب في البدء بأسماء منصوبة: "شُكْرًا!"، "عَجبًا!"، "تَبًّا!"، إلخ ؛ وفي "النَّصْب" إشارةٌ إلى "الفعل" الدّال على "الحُدُوث" و"التّجدُّد") و«ٱلحمدِ لِلّـهِ» (بإتباع "الحمدِ" لحركةِ "اللَّام" في "لِلّـهِ" كما فعل "الحسن البصريّ") ؛ كما قرأ "إبراهيم بن أبي عبلة" بـ«ٱلحمدُ لُلَّـهِ» (بإتباع "اللّام" في الضم إلى "الدّال"، وهذه القراءة هي الجارية على ألسنِ كثير من العامّة) ؛
5.3- وردتْ عبارةُ «الحمدُ للّـهِ» في مُستهلّ أربع سُور أخرى: «الحمد للّـه الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظُّلمات والنور.» [الأنعام: 01] ؛ «الحمدُ للّـه الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا.» [الكهف: 01] ؛ «الحمدُ للّـه الذي له ما في السماوات وما في الأرض.» [سبأ: 01] ؛ «الحمد للّـه، فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رُسلا، [...]» [فاطر: 01]. كما وردتْ ضمن سُور أُخرى كثيرة ؛
6.3- يُفهَم، إذًا، قولُه تعالى «وإنْ من شيءٍ إلّا يُسبِّح بِـٱسْمِه، ولكنْ لا تَفقهون تسبيحَهم!» [الإسراء: 44] وقولُه عزّ وجلّ «ويُسبِّحُ الرَّعد بحمده، والملائكةُ من خِيفته!» [الرعد: 13]. ويُفهَم أيضا كيف أنّ صفةَ "الحَمِيد" من أسماء اللّـه الحُسنى، حيث ورد في أكثر من آية («فإنّ للّـه ما في السماوات وما في الأرض ؛ وكان اللّـهُ غنيًّا حَميدًا.» [النِّساء: 131] ؛ «له ما في السماوات وما في الأرض، إنّ اللّـهَ لهو الغنيّ الحميد.» [الحج: 64] ؛ «ومَنْ يَشكُرْ، فإنّما يَشكُر لنفسه. ومن كَفر، فإنّ اللّـهَ غنيٌّ حميدٌ!» [لُقمان: 12]) ؛
4-"الربّ" و"العالَمين"
1.4- "الربُّ" من "التَّرْبيَة" بمعنى «"الإنشاء التامّ" و"الإصلاح الدائم" تملُّكًا وتسيُّدًا». فـ"الربُّ" هو «"المالِكـ" الذي له الخلق والأمر» و«"السيِّد" الذي لا مثيل له في سُؤْدَده» و«"المُصلِح" أمرَ خَلْقه بما أسبغ عليهم من نِعَمِه». ولا يُستعمل "الربُّ" مُفرَدًا إلّا في الدّلالة على "اللّـه" تعالى، وإذَا أُريد به غيرُه ٱسْتُعمل بالإضافة («ربُّ الدّار»، «ربُّ النّاقة»، «اِرْجِعْ إلى ربِّكـ» [يوسف: 50])
2.4- "العالَمُون" جمعٌ مُفردُه "عالَمٌ" ؛ و"العالَم" كل «ما سِوَى الربّ مِمّا يُعلَم أو لا يُعلَم في السّماوات والأَرَضين». ولفظُ "عالَمُون" يَفضُلُ "عَوالِم" لأنّه بصيغته (المُنتهية بلاحقة "ـوُنَ") يدل على «مجموع أصناف الخلائق سواء أكانت عاقلةً أمْ غير عاقلة، وسواء أكانت مُكلَّفةً أمْ لا.». وبهذا فلفظُ "العالَمين" يَجمع ثلاثةَ مَعانٍ: معنى «العلامة الدالّة» ومع «الجمع الكثير» ومعنى «الشُّمُول المُستغرِق لكل الكائنات بما فيها العاقلة» ؛
3.4- "اللّـهُ" «ربُّ العالَمين»، وهو أحقّ بأن يُحمَد ويُعبَد ليس فقط لأنّه كذلكـ، بل لأنّه سبحانه هو «"الرَّحْمان"، "الرَّحيم"» ؛
4.4- «ربّ العالَمين»: "العالَمين" تابعةٌ لربِّها ٱختيارًا و/أو ٱضطرارًا. فليس هُناكـ "عالمُون" تُعرَف بلا ربّ، وإنّما كل "العالَمين" تُعرَف وتُعلَم بربِّها تعالى، بل لا يُعْرَف أو يُعْلَم بعضها كـ"عالَم" إلّا بما هو عَالَمٌ لـ«ربّ العالَمين» ؛
5.4- قَرأ "زيدٌ بن عليّ" «ربَّ العالَمين» بالنّصب على المدح أو بِما دلّ عليه في «الحمدُ للّـهِ»، كأنّ المُراد: «نَحمدُ اللّـهَ ربَّ العالَمين.» ؛
6.4- قولُ «ربِّ العالَمين» مُترتِّبٌ على قول «الحمدُ لِلّـهِ» لأنّ «ربَّ العالَمين» يَستحقّ "الحمد" بما هو «"الخالِق"، "المُنعم"» ؛
5- أوّليّةُ "الرَّحْمة" وسَعتُها
يَأتي بعد «ربِّ العالمين» نعتَا "الرَّحْمان" و"الرَّحيم" تأكيدًا لما سَلَف من أنّ "ٱللّـهَ" لا يَتعرّف – حتّى بما هو "الربّ"- لمخلوقاته إلّا بـ"الرّحمة"، فهو خالقُهم وربُّهم «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"»:
1.5- تكرار نعتيْ "الرَّحْمان" و"الرّحيم" بعد ٱسم "الربّ" يُشير إلى أنّ "ٱللّـهَ" سُبحانه هو «الخالِق، المُنْعِمُ الذي بيده الخير كلُّه»، فلا ربّ سواه ولا رازق من دُونه ؛
2.5- قولُ «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"» مُترتِّبٌ على القولَيْن السّابقين («الحمدُ للّـهِ» و«ربِّ العالَمين») لأنّ "اللّـه" تعالى يَستحقُّ "الحمد" بما هو «"الخالِق"، "المُنْعم"» وأيضا بما هو «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"»، بل إنّ من "الحمد" أن يكون اللّـهُ هو «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"» ؛
3.5- من الحكمة أن تأتي صفتا «"ٱلرَّحْمان"، "ٱلرَّحيم"» هُنا قبل «مَلِكـ يوم الدِّين»، لأنّهما بقدر ما تُشيران إلى «سَعة رحمة اللّـهِ»، فإنّهما تُؤكِّدان «رجاءَ عفو اللّـه» من قِبَل عباده في «يوم الحساب» ؛
6- «المَلِكـ/المالِكـ» و«يوم الدِّين»
1.6- في «مَلِكـ يوم الدِّين» هناكـ عدّة قراءات: "مَلِكـ" و"مَلْكـ" (بتخفيف اللّام) و"مالِكـ" (اسم الفاعل من "مَلَكَـ": بخَفْض "مالِكِـ" عطفا أو بنصبه كما عند "أبي هريرة" أو برفعه "مالِكُـ") و"مَلَكَـ" («مَلَكَـ يومَ الدِّين» كما قرأها "أبو حنيفة"). والأرجحُ قراءة "مَلِكِـ" لأنّها قراءة أهل الحرمين ولأنّها مُتّفقةٌ مع آية «مَلِكـ الناس» [الناس: 02]، وأيضا لأنّ معنى "المُلْكـ" ("المَلِكـ") فيها أعمّ من معنى "المَِلْكـ" ("المالِكـ") ؛ إذْ كل مَلِكٍـ مالكٌـ، وليس كل مالِكٍـ بمَلِكٍـ. وبالتالي، فإنّ «مَلِكـ يوم الدِّين» إنّما هو «مالِكـ الأمر كلِّه في يوم الدِّين» و«الحاكم القاضي بسُلطانه وعدله بين عباده» ؛
2.6- «يوم الدِّين» هو «يوم الحساب والجَزاء». وٱختيار لفظ "الدِّين" راجع إلى أنّه يَشمل في دَلالته معاني "الطّاعة" و"الخضوع" و"الحساب": يوم الحساب يومٌ لمعرفة من خَضع للّـه طوعًا وتعبُّدًا ومن خضع له كَرْهًا وطمعًا ؛
3.6- قول «مَلِكـ يوم الدِّين» مُترتِّبٌ على الأقوال الثلاثة («الحمدُ للّـه»، «ربِّ العالَمين»، «الرَّحْمان، الرَّحيم») لأنّ كل ما يَقع في الحياة الدُّنيا له ما بعده، فهناكـ بعثٌ من القُبور وحسابٌ على الأعمال. وكلُّ من أحسن أو أساء في الدُّنيا، فلا بُدّ أن يُجازى في "الآخرة" من قِبَل «ربِّ العالَمين» الذي هو «مَلِكـ يوم الدِّين» والذي له وحده "الحمدُ" بما أنعم رحمةً منه وبما يَقضي عدلا في يوم يَنتصف المظلومُ من ظالمه جزاءً من ربِّ العالَمين ؛
7-"العبادة" و"الاستعانة"
1.7– في قول «إيّاكَـ نَعْبُدُ وإيّاكَـ نَسْتَعينُ» قُدِّم «ضمير النَّصْب المُنْفصل» على فِعْلَيْ "نَعبُدُ" و"نستعينُ" لتأكيد ٱختصاص اللّـه سبحانه بِهِما. فلا معبود بحقٍّ سواه، وهو وحده القويّ والغنيّ الذي يُستعان به على كل حال ؛
2.7– وفي قول «إيّاكَـ نَعْبُدُ وإيّاكَـ نَسْتَعينُ» ٱلتفاتٌ مُزْدَوِجٌ: من ضمير «الحاضر في غَيْبه» (هُو اللّـه) إلى ضمير «الحاضر المُخاطَب في قُرْبه» (أنت المعبود وأنت المُستعان) ؛ ومن عُموم فعل "الحَمْد" إلى خُصوص فعل "العِبادة" ("نَعبُد") و"الاستعانة" ("نَستعين"). وهذا الالتفات، في الحقيقة، لَفْتٌ للنّظر إلى أنّ كون "العبادة" مُرتبطةً بـ"الاستعانة" يجعل تحقُّق الإنسان بها إمّا مقصورا على "ٱللّـه" تعالى وإمّا مُوجَّهًا نحو سواه، بحيث لا يكون من خيار أمام من أبى الدُّخول في جماعة الذين قالوا: «إيّاكَـ نَعْبُدُ وإيّاكَـ نَسْتَعينُ» إلّا أن يقول: «أعبدُ نفسي وهَوَاها» فـ«أستعين بكل ذِي قُوّة وسُلْطان»، وهو قول من أبى أن يأتي طوعًا فسِيقَ - من حيث لا يدري- إلى أن يَأتيَ ربَّه كَرْهًا وكَدْحًا لأنّ نفسه وهواها من خَلْق الباري الذي سوّاها فآتاها فُجُورها وتَقْواها!
3.7– ينبغي أن يُلاحَظ أنّ هذه الآية تُؤلِّفُ بين "اللّـه" مُتكلِّمًا ومُخاطَبًا وبين عباده مُخاطَبِينَ ومُتكلِّمينَ: «إيَّاكَـ أنتَ» و«نحن نعبدُ»، ثُمّ «إيّاكَـ أنتَ» و«نحن نستعينُ». ووحده من له "الحمدُ" يَجمع برحمته بين جلال عطائه وبين عبادة خَلْقه الذين أُعطوا من واسع فَضْله ٱبتلاءً منه سبحانه أيَشكُرون أمْ يَكفُرون!
4.7- يُنْظَر، عموما، إلى "العبادة" في صلتها بـ"العُبوديّة" فتبدُو - بالتالي- "العبادةُ" كأنّها ضدّ "السِّيادة" التي تُعبِّر عن "الحُريّة". لكنّ "العبادة" إقرارٌ طَوْعيٌّ بـ"العُبوديّة" إزاءَ من تَفَرَّد بـ"السِّيادة" خالِقًا وربًّا، وهو الإقرار الذي يُمكِّن من التحقُّق بـ"الحُريّة" تعبُّدًا وتخلُّقًا. فلا سيادة للإنسان، في الواقع، لا على نفسه ولا على ما سواها ؛ وإنّما هي عبادةٌ للّـه وحده وٱستعانةٌ به دون سواه، على النّحو الذي يُمكِّن "العبد" من الخُروج من آفاتِ "التّربُّب" و"التألُّه" والعمل – من ثَمّ- على "التّأنُّس" تعبُّدًا مُحرِّرا وتخلُّقا مُسدِّدًا ؛
5.7– الرَّبْط بين "العبادة" و"الِاستعانة" يُبيِّن أنّهما مُتلازمتان بما يُؤكِّد أنّ "ٱللّـهَ" هو الغنيّ المُتعالِي الذي يَفتقر إليه عبادُه باستمرار والذي لا حول ولا قُوّة إلّا به سُبحانه. فـ"ٱلعبادةُ" ٱستعانةٌ باللّـه على كل أمرٍ يَهُمّ العبدَ أو يُصيبه، ولا عبادة مُخلِّصة إلّا بعونه تعالى ؛
8- "الهداية" و«الصِّراط المُستقيم»
مَجيءُ الطَّلَب بـ"ٱهْدِنَا" مُباشَرَةً بعد آيةِ «إيّاكَـ نَعْبُدُ وإيّاكَـ نَسْتَعينُ» فيه بيانٌ لمعنى "العِبادة" و"الاستعانة": عبادتنا إيّاكَـ ٱستعانةٌ بكـ على حاجاتنا التي أُسُّها «أن تَهْدِيَنَا» إلى «الصِّراط المُستقيم». فـ"العبادة" ٱستعانةٌ ودُعاءٌ، ولا شيء من هذا يَتمّ من دون "ٱلِاهتداء" إلى «الصِّراط المُستقيم». فلماذا طلبُ الجمع بين "الهداية" و«الصِّراط المُستقيم»؟
1.8- "الهِداية" هي الدّلالة بلُطْفٍ إلى الخير عموما. ولأنّها من أمر ٱللَّـه وحده الذي يَهْدِي من يشاء من عباده، فإنّ طلب "الهُدَى" لا يَصحّ إلّا من "ٱللّـه" الهادِي بفضله وتوفيقه. فالإنسان لا يَستقّل إطلاقا بنفسه في "ٱلِاهتداء" كما يَظُنّ الذين يرون في "العقل" غَناءً لهم عن أمر اللّـه تعالى. وإلّا، فإنّ ٱدِّعاء قُدرة الإنسان على "الاهتداء" بعقله وحده يَؤُول إلى تنصيبه معبودا من دون اللّـه سبحانه، فضلا عن أنّه ٱدِّعاءٌ لا يَكفُل تأسيس "العقل" إلّا تأليها مُتنكِّرا أو تأريخا مُتعاليًا!
2.8- قرأ "ابن كثير" و"نافع" و"أبو عَمْرٍو" و"ابن عامر" و"عاصم" و"الكسائي" "الصِّراط" بالصاد ؛ وقرأه "يعقوب" بالسين "السراط". والأصلُ في هذا اللّفظ "السين" فقُلِبت "صادًا" لقُربِ مَخْرجها من "الطّاء" في آخره (لا يزال الناس يَنْطقون "سَرَطَ" - بمعنى "ٱبْتَلَعَ"- قريبا من "صَرَطَ"). وبعض العرب (مثل "عُذرة" و"كَلْب" و"بني القَيْن") يَنْطقها زايًا "الزِّراط". و"الصِّراط" هي لُغةُ "قُريش" الثّابتة في المُصحف العثمانيّ. وتَعاقُب "السين" و"الصاد" و"الزاي" في هذا اللّفظ مِمّا دعا كثيرين إلى ٱعتباره من الدّخيل ناسِينَ أنّ تَعاقُب الأصوات طبيعيٌّ في كل الألسن وبالخصوص في "العربيّة". ولعلّ وُجود مادّة مُتجانسة وكثيرة من الألفاظ الثُّلاثيّة يُؤكِّد أصالتَه فيها ("سَرب"، "سرج"، "سرح"، "سرد"، "سرر"، "سرط"، إلخ.). ولفظ "صراط" يُذكّر ويُؤنَّث مثل "طريق" و"سبيل"، ويُجمَع على "سُرُط/صُرُط" ؛
3.8- "الصِّراط" ليس مجرد "طريق" أو "سبيل"، وإنّما هُو «الطريق الواضح أو السّهل»، إنّه "الطريق" الذي "يَسْرُط" (أيْ "يَبْتلِعُ") سالِكَه (أو، بالأحرى، يَسْرُطُه سالِكُه) لشدّةِ وُضوحه وسُهولته ؛
4.8- ولأنّ "الصِّراط" طريقٌ سالكٌـ (و"سارِطٌ") جدًّا، فإنّ طلبَ "الهداية" لا يكون إلّا إليه. ولهذا أتى الدُّعاء بـ«ٱهْدِنا الصِّراطَ المُستقيمَ» ؛
5.8- ولا بُدّ من تبيُّن أنّ «الهداية الإلاهيّة» تتعلّق بـ«الصِّراطَ المُستقيمَ»، فليس كل طريق يُوصل إلى اللّـه، بل ما أكثر الطُّرُق التي لا تُؤدِّي إلّا إلى غيره. وبِما أنّ "الهُدى" كلَّه من اللّـه، فإنّ "الصِّراط" المُراد الاهتداء إليه لا بُدّ أن يكون "مُستقيما" ؛ وهو «صراط مُستقيم» في دلالته على صحيح الاعتقادات تصوُّرا وتصديقا، وعلى صالح العبادات تفقُّهًا وتخلُّقًا ؛
6.8- لا يكون «السِّراط/الصِّراط»، إذًا، إلّا واحدًا ومُستقيما لأنّه حبل اللّـه الممدود إلى عباده هُدًى: «وأنّ هذا صراطي مُستقيمًا فـﭑتَّبِعُوهُ، ولا تَتَّبِعوا السُّبُل فتفرّق بكم عن سبيله!» [الأنعام: 153]. وما أشدّ طَيْش من ظنّ أنّ حكمة "التنوير" و"التحرير" تقتضي أن يصير «السِّراط/الصِّراط» مُتعدِّدًا في «الدِّين الدُّنيويّ» ليكون «صُرُطًا [أو صِراطاتٍ] مُستقيمةً»، كأنّ "الهداية" أصبحت شأنًا بَشريًّا خالصا ولم تَعُدْ من ٱختصاص اللّـه سبحانه («قُلْ: للّـه المشرق والمغرب، يَهدي من يشاء إلى صراط مُستقيم.» [البقرة: 142])، بل كأنّ "الاستقامة" لا تتمّ إلّا إذَا تفرَّقتِ السُّبُل بالعباد وذهب بهم التّنازُّع كل مذهب!
9-«المُنعَم عليهم» و«المغضوب عليهم» و«الضالُّون»
أمام "الهُدى" الآتي (والمطلوب) من اللّـه لعباده، هناكـ ثلاث فئات: فئة «المُنعَم عليهم» بأن هُدُوا إلى «الصراط المُستقيم»، وفئة «المغضوب عليهم» (الذين أتاهم الهُدَى فكذّبوا به جُحودا وظُلْما) وفئة «الضالّين» (الذين صَعُب عليهم تمييز «الصِّراط المُستقيم» من السُّبُل المُضلّة):
1.9- هذه الآية تُبيِّن «الصِّراط المُستقيم» بصفته مَطلب "الهداية" الذي يَستعين به «المُنعَم عليهم» في عبادتهم لربِّ العالَمين. ولأنّ «المُنعَم عليهم» هُم الذين هُدُوا إلى «الصِّراط المُستقيم»، فإنّهم يَتميّزون عن «المغضوب عليهم» و«الضالِّين» بحيث يَخرُجون منهم بما يُؤكِّد أنّ مقام «المُنعَم عليهم» يَأتي أوّلًا، ويَأتي بعده مَقام «المغضوب عليهم»، ثُمّ أخيرًا مَقام «الضالِّين»
2.9- «المُنعَم عليهم» هُمُ الذين هَداهُم ربُّهم إلى «الصِّراط المُستقيم» فاستقاموا كما أُمروا: «ومن يطع اللـه والرسول، فأولئكـ مع الذين أنعم اللّـهُ عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئكـ رفيقا. ذلكـ الفضل من اللّـه ؛ وكفى باللّـه عليما.» [النساء: 69-70] ؛
3.9- «المغضوب عليهم» هُم كل الذين أتاهم هُدى اللّـه فأبوا إلّا أن يكذبوا به ظُلْما وعدوانا. ويُعدّ الذين لُعنوا من "اليهود" النموذج التاريخيّ للمغضوب عليهم لقوله تعالى: «[...]، من لَعَنَه اللّـهُ وغَضِبَ عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وعبدَ الطاغوتَ ؛ أولئكـ شَرٌّ مكانا وأضلُّ عن سواء السبيل!» [المائدة: 60] ؛
4.9- «الضالِّين» هُم كل الذين طلبوا «الصِّراط المُستقيم» فأضلَّتهُم كثرةُ الشُّبُهات وٱتَّبَعوا نوازع الأهواء. ويُعَدّ "النّصارى" النموذج التاريخيّ للضالِّين لقوله تعالى: «قُلْ: يا أهل الكتاب! لا تَغْلُوا في دينكم غيرَ الحقِّ، ولا تَتّبعوا أهواءَ قومٍ ضَلُّوا من قبل وأضَلُّوا كثيرًا، وضلُّوا عن سواء السبيل!» [المائدة: 77].
10- و«الحمدُ للّـه» أوّلا وآخرا
بِناءً على ما سَلَف، يَتبيّنُ أنّ نصَّ سُورة "الفاتحة" (المُكوَّن من واحد وثلاثين لفظا فقط!) يَتضمّن من آيات "الإعجاز" ما ظلّ أُولُو الألباب يَجهَدُون في ٱستقصائه على ٱمتداد أربعة عشر قرنا. والجاحد وحده يُمكنه أن يَتردّد في الإقرار بأنّه نصٌّ بيانيٌّ بديعٌ وخطابٌ حِكْمِيٌّ بَليغٌ. وعليه، فكل جاحد مُطالَبٌ بأن يُنْجز تمرينا يَتمثّل في أن يُؤلِّف باللِّسان العربيّ أو بغيره نصًّا يُعبِّر به عمّا يُضاهي كل تلكـ المَعاني الجليلة في حُدود ألفاظٍ لا تزيد على ألفاظ "الفاتحة" و، في الوقت نفسه، تَفضُلُها بيانًا وحكمةً! أمّا من أُوتيَ رُشدَه، فلا يَمْلِكـ إلّا أن يَلْهَج لسانُه بـ«ٱلحمد للّـهِ» أمام عِظَم ما أَسبغ عليه ربُّه من النِّعم التي ليس أهونَها ثُبوتُ وُجوده بين "العالَمين" بما هو "المخلوق" الذي سُوِّيَ لكي يَسْمُو به وِجدانُه إلى "التّفكُّر" و"التّدبُّر"، و"العامل" الذي ٱبْتُليَ بالمُكابَدة في العاجلة عسى أن يَهتدي - بفضل ربِّه- إلى «الصِّراط المُستقيم» تعبُّدًا وتَخلُّقًا.
وإنّ نصًّا أُريدَ له أن يَتنزّل حَمْدًا مُتجدِّدًا وذِكْرًا مُتواصلا لخليقٌ بأن يكون إعجازًا فاتحًا لغيب "الوُجود" وإنجازًا مُحرِّرًا لنوازع "الوِجْدان" بما لا قِبَل به لمُمْكناتِ الكلام البشري بشعره ونثره. ولكـ أن تعجب، بَعْدُ، كيف أنّ "الجاحدين" - رغم ترديدهم لقول «لا أحد يَمْلِكـ الحقيقة»- لا تَلْمَسُ لديهم إلّا ما يُشْعرِكَـ بأنّهم يُحْسنون الظنّ كثيرا بأنفسهم كأنّهم فعلا أصحاب «الصِّراط المُستقيم» أو أنّهم من يَستأْثر بأمر "الهِداية" إليه. والحالُ أنّهم أشدُّ الناس غفلةً حتّى في إطباقهم على ما يَعْلَمُونه من «ظاهر الحياة» أو ما يُزيَّن لهم من «باطن البَلاء»! ولأنّ لِلّـهِ في خلقه شُؤُونا لا يُحاط بها علما، فليس بالوُسْع أن يُقال إلّا: «الحمدُ للّـه» الذي هَدانا لشُكْره وذِكْره، وما كُنّا لنهتدي لولا أن هَدانا ٱللّـه. وآخر دعوانا أن «الحمدُ للّـه ربِّ العالَمين».

_________________
من أحب الله رأى كل شئ جميلا
مع تحياتى مجدى يونس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://magdiyonis1.forumegypt.net
 
من آيات "الإعجاز" في فاتحةِ "القُرآن"
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
تعلم واقرأ وارتقِ :: تفسير القران الكريم-
انتقل الى: